الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: إعلان الهزيمة

العنوان أعلاه عنونت به رسالة إلى قروب (القرية) قبل مغادرتي له و الذي كنت من مؤسسيه ..
بعد الحرب ظهرت عشرات القروبات (للقرية) الصغيرة كما ظهرت الدعوات المناطقية والقبلية في كل أرجاء البلد المكلوم المنتحب المريض الباحث عن دواء (وقف الحرب) المعدوم ..
وأهل القرية في قروباتهم يتحدثون عن العودة الظافرة والإعمار بعد أن فقدوا كل شيء و كأن الحرب قد وضعت أوزارها و عم السلام الوطن المنتحب المريض.
والمؤسف حقاً أن من بين دعواتهم المريضة الحديث عن (الغرباء) و منعهم عن دخول (القرية) و الغرباء الذين يتحدثون عنهم ليس (خواجات) بل هم أهل السودان السمر وشعبه الطيب الغلبان أبناء ذات الوطن بذات الجغرافيا وتنوع الثقافات.
القرية الصغيرة وسط أصوات الرصاص يتحدث أهلها و (أهلي) عن إنشاء جامعة وكليات في الوقت الذي إنفجر فيه جسم غريب على تلاميذ مدرستها الابتدائية.
و ذات (القرية) تحتفل بوداع رتبا عسكرية بجوار بيت عزاء في من رحل نتيجة انفجار لغم غير معلوم الجهة الزارعة له، و ربما تكون ذات الرتب الرفيعة هي من أمرت بزراعة اللغم ضمن خططها الدفاعية.
في ظل هذه الأحداث غادرت قروبات (القرية) بعد أن كتبت لهم تحت العنوان أعلاه وأعلنت هزيمتي الآتي :-
(رغم أن كل ما تصدينا له لم يكن مباراة أو مبارزة أو حرب.. إلا أنني أظن أنه من الشجاعة إعلان هزيمتي فما كنت أحلم به من محاولات التغيير قد انهزمت رغم أن الحق لا ينهزم .. فربما يكون ما كنت عليه (غير الحق) أو باطلا لذا أعلن انهزامي.
و أما أن كان هو الحق فعلاً فلا شك أن الحق موجود وباقٍ في قلوب الأوفياء الأتقياء الأنقياء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم وسوف يعملون لسيادة الحق .
للأسف أننا وجِدنا في مجتمع أغلبه يجامل و يرائي حفاظاً على وضعه الاجتماعي وقبوله بين الناس فيطبل لهذا ويزمر لذاك و أن كان يعلم أنه على باطل بيّن وظاهر.
لقد قضيت زمناً طويلاً في هذه الوسائط بينكم و كان ذلك على حساب صحتي وأسرتي وما أملك من متاع الدنيا الذائل واستنزفت وقتاً ثميناً راجياً التغيير المرتقب دون جدوى كبيرة تعادل الوقت والجهد المبذول.
ربما يعتبرني البعض من عشاق المعارضة بلا هدف أو أني أحب السباحة عكس التيار الذي يجرف الجميع وهذا رأيهم احترمه و أن كان يجافي الحقيقة أو أني أحسبه كذلك، فالنفس البشرية أعمق من أن نعرف مجاهلها وندرك حقائقها .
أغادر هذا القروب الذي انتميت إليه معكم لأكثر من أربع سنوات وكنتم رفقة طيبة بفضل من الله وكرمه علينا…. عركنا فيه كثير من القضايا وعركتنا دون نتائج ملموسة… لكنها نحتت رسماً ربما لم تظهر نتائجه حتى الآن لكن حتماً ستظهر في يوم ما بإذن الله.
وما قمنا به ما هو إلا محاولات لنا أجرها أن كانت طيبة ونسأل الله المغفرة أن كانت أخطاء …
الخير لا وطن له ولا جغرافيا سوى الخير نفسه ..
و أنا الآن احتاج إاى شيء من الراحة والتفرغ لأسرتي و أولادي فيما تبقى لي من عمر فقد كان وجودي في القروبات خصماً على حقوقهم …
و قطعاً لن اتوقف عن الكتابة لأنها العزاء و الأنيس … لكنها سوف تكون في إطار الإنسانية وغير مرتبطة بجغرافيا معينة بشكل مباشر ..
وبشكل أوضح لن يكون ما أكتبه من اليوم فصاعدا مرتبطاً بقضايا (القرية) فيكفي ما بها من رجالها وعلماءها والخبراء وهم قادرون على النهوض بها لكن نصيحتي لهم (كزول ساااي) ألا يربطوا خبراتهم و أموالهم وعلمهم بالجغرافيا الصغيرة التي لا تتعدى حدود (القرية) و ناسها بل يجب أن يرتبط الفكر و العلم والمال والخبرة بالوطن الأوسع و بالإنسانية.. وليفهموا و أن كانوا فاهمين فليُفهِموا الآخرين أن الغرباء ليسوا غرباء بل أقرباء و أن الغريب غير القريب هو قانون (الوجوه الغريبة).
و كلما ارتفع رصيدك من العلم والمال والفكر والخبرة فاجعله للإنسانية بتوسيعك لنطاق الرقعة الجغرافية التي شاءت الأقدار أن تكون بها…
كونك من هذه (القرية) أو تلك فهو أمر لم تكن لك يد فيه فأجعل ما بيدك أوسع من رقعة الجغرافيا بقدر ما اتسع ما وهبك الله من العلم أو المال والخبرة…
قبل المغادرة سوف أجري بعض التغييرات في القروب لأجعل الأكثر مشاركة به هم من يقع عليهم عبء المحافظة عليه وعلى النهج الذي اتبعناه خلال السنوات الماضية في عدم اقصاء الآخر و منح الجميع الفرصة للإدلاء بالرأي والأهم من ذلك كله الانتماء للوطن الواسع والإنسانية بعملنا (للقرية)…
كما أوصيكم بتعظيم دور المرأة و إتاحة فرص أوسع لمشاركاتهن فهن من يقع عليهن العبء الأكبر في بناء الإنسان و إنسانيته.
وختاماً أطلب من الجميع المعذرة أن إرتكبنا خطأ في حقهم، و أشكر كل الذين كانوا داعمين لاتجاهنا كما أن إعلان الإنهزام هذا لا يعنيكم بقدر ما يعني انهزامي شخصياً وليس انهزام الفكرة فقد هرمت أو ربما (زهمرت) والخير وفكرته باقٍ ما بقيتم عليه وأنا فرد ربما يكون في بعده مصلحة للجماعة..
انتهى
وليتنا نسمع قريباً (بهزيمة الحرب) ويدخل هذا الاصطلاح بديلاً لهزيمة أحد طرفي الحرب لأنها حرب لن يكون بها منتصر أبداً.
والهزيمة هزيمة الوطن والمواطن أن لم تقف الحرب (السودانية السودانية).

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى